أحمد مصطفى المراغي
89
تفسير المراغي
فهم يبطّئون عن القتال ويبطئون غيرهم عن النفر إليه ، والجبناء وضعفة الإيمان يبطئون بأنفسهم عن القتال خورا وخوفا من صليل السيوف ومن الكرّ والفر ومقابلة العدو وهو شاكي السلاح . ثم فصل أحوال هؤلاء الضعفاء فقال : ( فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) أي قال ذلك المبطّئ فرحا بما فعل حامدا رأيه شاكرا ربه ، إذا أصابتكم المصيبة من قتل أو هزيمة - إن اللّه قد أنعم علىّ بالقعود فلم أكن حاضرا معهم فيصيبنى مثل ما أصابهم من البلاء والشدة . ( وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) أي ولئن منّ اللّه عليكم بالظفر وفتح البلاد فغنمتم وأخذتم السبايا والأسرى ليقولن قول من ليس منكم ومن لم تجمعه مودة بكم - ليتني كنت معهم فأفوز كما فازوا ، فهو قد نسي ما يجب عليه من مدّ يد المعونة إليكم وبذل كل ما يمكنه من نفس أو مال ليتمّ ذلك الظفر . ولكن ضعف إيمانه أو جبنه منعه عن هذا ، إذ هذا التمني بعد فوات الفرصة دليل على ضعف العقل وكونه ممن يشرى الحياة الدنيا بالآخرة ، وفي قوله : كأن لم تكن بينكم وبينه مودة تقريع وتوبيخ بألطف القول وأرقّ العبارة ، إذ أن قليلا من المودة كان ينبغي أن يمنع مثل هذا التمني وأن يعد هذا الإحجام نعمة ، فهذا يشعر بأن صاحبه لا يرى نعمة اللّه على المؤمنين نعمة وفضلا عليه ، ولا ما يصيبهم من جهد وبلاء كأنه يصيبه هو ، مع أن القرآن يصرح بأن المؤمنين إخوة ، والحديث يدل على أنهم كأعضاء الجسم الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا . ومن فوائد هذا الأسلوب أنه يؤثر في نفس سامعه تأثيرا لا يدنو من مثله الطعن بهجر القول ، إذ يدعو صاحبه إلى التأمل والتفكر في حقيقة حاله ومعاتبة نفسه ، والتوبة إلى ربه ، والرجوع إلى أوامر دينه .